تدفع إدارة ترامب بالتخلي عن مظلة الأمن التي استمرت نصف قرن في الشرق الأوسط الدول العربية نحو إنشاء تحالفات مستقلة إقليمية. هذا التغيير في السياسة، الذي يُعتبر أهم تغيير في نهج أمريكا تجاه الشرق الأوسط خلال أكثر من نصف قرن، يمكن أن يكون له عواقب جدية على الاستقرار والأمن في المنطقة.
الإطار الأمني الجديد
توماس باراك، سفير أمريكا في تركيا ومبعوث واشنطن الخاص للشؤون السورية والعراقية، شرح في خطابه في المنتدى الأمني العالمي في الدوحة، قطر، الإطار الجديد للسياسة الأمنية الأمريكية وأعلن: "أمريكا التي كانت ضامنة لأمن العالم على مدى ٨٠ عامًا لم تعد موجودة." هذه التصريحات تعكس التغييرات التي يمكن أن تؤدي إلى إنهاء اعتماد الدول العربية الخليجية على مظلة الأمن الأمريكية.
بدأ تآكل الضمانات الأمنية الأمريكية في الخليج على الأقل منذ عام ٢٠١٩، وتُشعر عواقبه بوضوح الآن. وأكد باراك أن أمريكا ستدعم الجهود الإقليمية مثل اتفاق مكة، الذي هو اتفاق أمني بين السعودية وتركيا وباكستان. وأضاف: "يجب على الجميع الاعتماد على تحالفاتهم الإقليمية الخاصة."
الآثار الأمنية على السعودية
تشعر السعودية، كأهم حليف عربي لأمريكا، الآن بآثار السياسة الجديدة. في صيف هذا العام، مع تصاعد هجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية، طلب محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، من ترامب اتخاذ إجراء عسكري ضد الميليشيات. أصبح الحوثيون، من خلال تهديدهم للملاحة في البحر الأحمر وسيطرتهم على جزء كبير من اليمن، أحد التحديات الأمنية الكبرى للسعودية.
في ظل هذه الظروف، أوضح باراك أن ترامب اقترح دعمًا استخباراتيًا وتوجيهًا، لكنه امتنع عن التدخل المباشر للجيش الأمريكي. وأكد أن العمل العسكري ضد قوات مثل الحوثيين لم يكن له نتائج في الماضي ومن غير المرجح أن يكون ناجحًا في المستقبل.
أضاف باراك: "الرئيس قال بوضوح إنه يدعم السعودية وسيوفر الدعم اللوجستي اللازم، لكن دخول أمريكا في معركة برية ومقاتلة في مكان آخر يبدو غير مجدي." هذا الموقف الجديد يغير بشكل كبير دعم واشنطن للمشاركة العسكرية المباشرة.
في النهاية، يصر باراك على أنه على الرغم من تغيير دور أمريكا في المنطقة، فإن واشنطن لن تغادر الشرق الأوسط. ومع ذلك، قد تتساءل العديد من الدول التي تستضيف الآن قواعد أمريكية عن مبررات استمرار استضافتها، خاصة عندما تجعلها القواعد هدفًا للهجمات دون تأمين.
تواجه أمريكا أيضًا تحديًا مشابهًا، حيث أسفرت هجمات إيران على القواعد الأمريكية هذا العام عن مقتل ما لا يقل عن ٢١ أمريكيًا وتسبب في خسائر تقدر بمليارات الدولارات. في هذه الظروف، يجب على واشنطن الاختيار بين تحمل تكاليف باهظة لتعزيز القواعد أو الانسحاب من أكثر المراكز ضعفًا.
نتيجة لذلك، يمكن أن يصبح تغيير تشكيل القواعد الأمريكية أحد الآثار غير المقصودة للاحتكاك الأخير، وقد تقرب عواقب قرار ترامب بالهجوم على إيران طهران من هدفها القديم، وهو خروج أمريكا من المنطقة.




